• رحلة مع صمود طفل فلسطيني

  • رحلة مع صمود طفل فلسطيني

    تسلم احمد سلامة مدير عام شؤون المديريات  درعاً تقديرياً من دولة رئيس الوزراء د. سلام فياض في الحفل الذي اقامته وزارة الاسرى للفائزين بمسابقة جائزة الحرية للاسرى حيث حصل على المرتبة الثالثة عن المقال الصحفي الذي جاء بعنوان رحلة مع صمود طفل فلسطيني

    لن أبكيك يا بُني ستعود شاءوا أم أبوا ستعود ، لن يطول انتظارك يا أسعد بهذه الكلمات ودع الأب المفجوع إبنه الصغير الكبير ابن الرابع عشر ربيعاً وهم يقتادوه صوب جيب الجراند روفر العسكري ما بعد منتصف الليل بساعتين ، لقد عرفنا أنهم سيأتون لأخذه ، فليست هناك سيارة إسرائيلية تسلم منه ، والولد بايعها

    أما آن لهذا الاحتلال أن يفارقنا ، هو جاثم على الصدور ، أما آن للسوط أن يصبح بأيدينا كي ننقش الألم المرير على الظهور. لم نعد نرى أية طفولة في فلسطين ، يولد الطفل كبيراً ، همه يملأ المكان ، حلمه غير واضح ، فكيف يتضح شيء في حلكة الاحتلال .

    طاف الجيب العسكري ساعتين بأسعد ، شعر خلالهما بأنه لن يتوقف أبدا قبل أن ينزله اثنان من الجنود وقد تأبطوا ذراعيه وكادت أقدامه لا تصل إلى الأرض.

    كانت وصية الوالدة دائماً لأسعد هي الصمود ، وكانت تقول له بأنني لن أزورك أبداً أذا اعترفت بشيء ، الرجل لا يعترف ، ومين هذا المحقق حتى يأخذ منك لسانك ؟ اللسان يتحكم به الله وأنت فقط ، الألم يهون أمام مصيبة الاعتراف.

    وصايا الأم مقدسة كحليبها ، وهكذا بدأت رحلة الصمود والتحدي عند أسعد في معتقل الظاهرية ، لقد كان يشاهد محققيه أقزاماً فلم يتأثر بإرهابهم ، كانت ساعات طويلة من الشبح وقوفاً و على كرسي لا يكاد يتسع لطفل رضيع جلوساً، حُرم أسعد من النوم أياماً ، وعندما سمحت له إدارة السجن بالاستحمام بعد عشرة أيام كان الماء حارقاً ، ولم يتوفر الماء البارد فلم يستحم . لقد غارت الأغلال الحديدية في كلتا يديه حتى تشوهت أصابع يديه وأخذت تلتف بعضها فوق بعض ولم تصحّّ بعدها ابداً لن أخونك يا أمي سأبقى على العهد الذي بيننا ، هذه الكلمات التي تتردد في أعماق أسعد شكلت لديه الجدار الشاهق الصلب الذي لن يجتازه أي محقق .

    عُرِف معتقل الظاهرية في الانتفاضة الأولى باسم المسلخ حيث تمارس فيه مختلف صنوف العذاب والتعذيب في أقبية التحقيق ، حتى أنه كان لهذا المعتقل بروتوكول خاص في إستضافة كل بوسطة للمعتقلين وهذا البروتوكول يتمثل في إصطفاف كافة جنود المعتقل ومجنداته إلى صفين للترحيب بالمعتقلين يحملون العصي والهراوات الغليظة بأيديهم ، وكان المعتقلون الجُدد يمرون من خلالهما ، وكانت تنهال عليهم العصي والهراوات دون رحمة .

    لم يستطع أسعد حماية رأسه فيداه كما الآخرين من رفاقه مقيدتان خلف ظهره مما أدى إلى تورم رأسه ، كانت إدارة المعتقل بهذا الاستقبال تريد إفقاد المعتقلين قدرتهم على التركيز ، وكانت تريد أن تقول لهم إنها فقط البداية والقادم أعظم كان يُساق أسعد من الكيس النتن الذي على رأسه وهو في ساحة الشبح إلى إحدى غرف التحقيق ، وهناك كان يُرفع الكيس عن وجه أسعد ويُلقى على الأرض ممدداً ويداه المقيدتان بالأغلال الحديدية خلف ظهره وكان المحقق يصفعه باستمرار ويضغط بقدمه بين رجلي أسعد ، كانت كل الظاهرية تسمع صراخه ، كان يتألم وأراد بصراخه إرباك المحقق فما كان من المحقق إلا أن يحاول إسكاته وذلك بإغلاق فمه بقطعة قماش نتنه ، وكان أسعد الذي يتحكم جيداً بتركيزه وبعقله ينظر قبل أن يختنق إلى رأس أنفه فيظهر عليه الحَوَل فيبدو بهذه الكيفية أن آخر أنفاسه على وشك أن يلفظها ، فينزع المحقق قطعة القماش مسرعاً عن فمه.

    مر واحد وعشرون يوماً عجز المحققون خلالها من اخذ اعتراف أسعد وتوعده ضابط المخابرات بأنه في المرة القادمة لن يعود إلى أمه ، وتكرر اعتقال أسعد المتقطع للتحقيق سبع مرات لم يعترف بها في أقبية التحقيق وكل مرة كان يعود إلى أمه.

    الأطفال يمثلون المستقبل والحياة ، وإن اندفاعهم في أتون النضال يجب أن يجد من يرعاه ويوجهه ، فهؤلاء الأطفال الأبطال يجب أن تؤدى لهم التحية ، فهم يُقدِمون دون تفكير طويل ، ويقدّّمون أحياناً أكثر مما يقدمه الشباب ، فالحسابات لديهم بسيطة ، والنتيجة أحياناً عظيمة تضاف إلى التراكم النضالي والوطني ، وكثيراً من الأطفال غيبتهم السجون ولم يعودوا إلى ألان ، ولن ننسى آهات وعذابات الوالدين الفلسطينيين الذين يحلمون بذلك اليوم الذي يتخلصون فيه من التفكير بان أبناءهم يولدون مشاريع شهادة أو إعتقال ، وان من حقهم أن يروا أبناءهم يكبرون أمامهم بأمان وحرية .

    أدرك أسعد انه إن دخل التحقيق ثانية فلن يخرج ، فالاعترافات عليه كثيرة فقرر الالتحاق بصفوف إحدى الكتائب الثائرة ليقودها بعد ستة أشهر ، ولم يعد إلى أمه إلى الآن .

 
 
 رجوع  
 
 
 
وزارة الداخلية الفلسطينية 2012 ©
);